تتعرض سورية اليوم لأخطار لم تشهدها من قبل، نتيجة السياسات التي سلكها النظام، وأوصلت البلاد إلى وضع يدعو للقلق على سلامتها الوطنية ومصير شعبها. وهي اليوم على مفترق طرق بحاجة إلى مراجعة ذاتها والإفادة من تجربتها التاريخية أكثر من أي وقت مضى . فاحتكار السلطة لكل شيء، خلال أكثر من ثلاثين عاماً، أسس نظاماً تسلطياً شمولياً فئوياً، أدى إلى انعدام السياسة في المجتمع، وخروج الناس من دائرة الاهتمام بالشأن العام، مما أورث البلاد هذا الحجم من الدمار المتمثل بتهتك النسيج الاجتماعي الوطني للشعب السوري، والانهيار الاقتصادي الذي يهدد البلاد، والأزمات المتفاقمة من كل نوع . إلى جانب العزلة الخانقة التي وضع النظام البلاد فيها، نتيجة سياساته المدمرة والمغامرة وقصيرة النظر على المستوى العربي والإقليمي وخاصة في لبنان، التي بنيت على أسس استنسابية وليس على هدى المصالح الوطنية العليا .
لم يمض سوى زمن قصير على إطلاق إعلان دمشق، حتى خلق حيوية عالية في الوسط السياسي السوري وبالرغم من أن ردود الفعل لم تستقر بعد، و الأمر برمته لا يزال انتقاليا، إلا أن الكثير من الحوارات والمواقف والملاحظات الانتقادية والتحفظات، بشكل خاص في أوساط المعارضة الوطنية الديمقراطية تقتضي منا المساهمة في عملية التفاعل الجارية، من خلال إيضاح الروحية التي كنا نفكر بها و التدقيق في المعاني التي ساهمت فيها أيضا الملاحظات التي قدمت و الحوارات التي دارت حــــول الإعلان، وانطلاقاًُ من هذا ندعو كل فعاليات المعارضة ( في الداخل والخارج ) التي تجد نفسها في صف الاعلان أن تنضم اليه لتتحول الى موقع الفعل من داخله .
إن المجلس الوطني لإعلان دمشق، إذ انعقد في دورته الأولى بصيغته الجديدة الموسعة التي ضمت تيارات أساسية في مجتمعنا السوري من قوميين ويساريين وليبراليين وإسلاميين ديمقراطيين، يرى أن الأخطار الداخلية والخارجية باتت تهدد السلامة الوطنية ومستقبل البلاد أكثر من أيّ وقت مضى، وأن سياسات النظام ما زالت مصدراً رئيساً لتفاقم هذه الأخطار، من خلال استمرار احتكار السلطة، ومصادرة إرادة الشعب، ومنعه من ممارسة حقه في التعبير عن نفسه في مؤسسات سياسية واجتماعية، والاستمرار في التسلّط الأمني والاعتداء على حرية المواطنين وحقوقهم في ظل حالة الطوارىء والأحكام العرفية والإجراءات والمحاكم الاستثنائية والقوانين الظالمة بما فيها القانون / 49 / لعام / 1980 / والإحصاء الاستثنائي لعام / 1962 /، ومن خلال الأزمة المعيشية الخانقة والمرشحة للتفاقم والتدهور، التي تكمن أسبابها الأولى في الفساد وسوء الإدارة وتخريب مؤسسات الدولة، وذلك كله نتيجة طبيعية لحالة الاستبداد المستمرة لعقود طويلة.
قبل عام ونيِّف، وفي حدث استثنائي في سوريا المحكومة بتأبيد حالة الطوارئ وحكم الحزب الواحد واللون الواحد، التي أوصلت البلاد إلى ما هي فيه، تداعى مائة وثمانية وستون من مناضلي إعلان دمشق، هم أعضاء المجلس الوطني في دورته الأولى، إلى عقد مجلسهم الذي شكل محطة هامة على طريق مأسسة الإعلان وترسيخ مشروعه، على الرغم من المناخ الأمني الخانق، وخروجاً على حالة الخوف والانزواء التي زرعتها ممارسات الاستبداد في عقول السوريين وقلوبهم.