الثرى6-3-2010لسبب ما اخترت ان أغوص قليلا في البعد الوجداني لمسألة التعاطي مع المرأة، خاصة ونحن على وشك الاحتفال باليوم العالمي للمرأة، هذا اليوم الذي يجد صداه بشكل محدود جدا في الأوساط التي تدعي النخبوية أو التماهي مع هوامش الثقافة، أما على أرض الواقع، فإن معظم المعنيات حقيقة بهذا اليوم خارج إطار التفكير حتى بأي تميز لهذا اليوم الموافق لـ 8 آذار من كل عام..في هذه المناسبة أسجل أشد الاحترام لتلك المرأة التي حكمت عليها المجتمعات بالدونية، بدءاً من استثمار النظرة الدينية، وانتهاء بالموروث الاجتماعي السلفي، مروراً بكل أشكال التشريعات القاصرة عن إحراز تقدم فعلي في هذا المجال، والمحافظة على مؤشرات شكلية لتمكين المرأة، وإحصاءات لا تخدم قضية المرأة جدياً، لأنها لم تتجاوز التزيين والزركشة الخارجية لمجتمعات، ليست مدنية ولا حتى بالحدود الدنيا، لذلك لم تفرز على الصعيد الفكري والتربوي طرق جديدة في التعامل مع هذه القضية بعمق، وظلت المرأة الأم، الموظفة، العاملة، المطلقة، العازبة، تعاني عموما من قصور النظرة إليها والإجحاف بحقها، والضغط عليها اجتماعيا إذا اعتبرنا الظروف الاقتصادية حالة عامة تطبق على عموم الأفراد، وبما أني لست من هواة استخدام مؤشرات قضية المرأة واستغلالها في كل المناحي خاصة الإنسانية منها، وذلك لقناعتي التامة بأن ما هو إنساني يبقى إنساني، و في هذه الحالات لا فصل جنسي ولا اعتراف بهذا الفصل.عموما لقد أخذت التوضيحات في هذا الحديث الذي اعتبرته تحية لكل أنثى في الأرض تعاني بسبب أنوثتها، مدى أوسع، ليطغى بدون قصد مني على الفكرة التي أتعمد الخوض فيها، وفي الحقيقة إن ما دفعني لهذا الآن هو متابعتي لأحد الأفلام العربية منذ أيام، وليس مفاجئا لي في الواقع شرح الآليات التي تم التعاطي فيها مع المرأة على مدى سنوات في صناعة السينما العربية، حيث اعتمدت هذه الصناعة البدائية في مجتمعاتنا كما كافة الصناعات، على تسويق المرأة كسلعة رائجة للتداول الرخيص، خاصة في مرحلة زمنية معينة، وتعمدت حصر المراة العربية بقالب المراة المثيرة القادرة على السيطرة باستخدام مفاتنها على المتنفذين، والحصول على الثروة والمال والسلطة من خلال الارتباط مع هؤلاء الأشخاص الغرائزيين بطبعهم أمام الفاتنة التي تتعمد إبراز جسدها لبيعه بالغالي أو الرخيص، وغالبا ما كانت هذه السينما تعتمد على الرقص الشرقي كوسيلة لإبراز تلك المرأة المغناج الشبقة المتعطشة لفجور المتعة، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن الفيلم الذي قصدته ليس من هذه التصنيفات بالمطلق، وإنما فيلم تاريخي يتناول إحدى الملكات العربيات، حيث تبرز بوضوح النظرة الذكورية السائدة حتى في تناول التاريخ، ومع التقدير لجهود الباحثين في توثيق السيناريوهات التاريخية، إلا أن عنصرية التعاطي كانت واضحة من حيث دفعها المشاهد من خلال طريقة العرض الدرامي للتعاطف مع الرجل الذي أصبح ضحية وفق تتابع إيحاءات العمل، مع أنه تمرد على الملكة التي اختارته لاعتلاء العرش الذي لن يسمح لامرأة بالاستحواذ عليه، وبما أنها صاحبة الدهاء والحكمة، فكان لابد لها من شريك تحكم من خلاله، وهذا الأخير ضمن المنظور العربي المعروف في التعامل مع المراة لديه امرأة أخرى بل وأخريات في زمن الجواري الذي استمر أكثر ما استمر في منطقتنا، ومن هنا بدأت مرحلة التخلص من المراة الذكية، وفي سياق مؤامرات التاريخ التي لا تنتهي خاصة في مراحل ضعف الدولة العربية انتهت الأحداث كما انتهت وقتلت المراة القاتلة، ولو أنها قتلت بيد الملك قبل أن تقتله لما تدخل القصر الغاضب ..أنا هنا لا القي محاضرة تاريخية أو أفند المغامرات وأصححها عبر ذلك التاريخ المعقد، ولكنني أشرح تلك الذهنية المتطرفة في تحقير المرأة بالتلميح لخبثها ومؤامراتها، وسخريتها من الرجل المضطجع على أرائكه بين الحسناوات ليستمع لأكثرهن دهاء وغنجا، ببلاهة المعتوه الذي تسكره غرائزه وخمور متعته، وهذه النظرة التي مع الأسف لم تتخطى بشكل جدي عقولنا المنتشية بحلم الحوريات والعذارى، وعلى مر العصور ظلت المرأة في ثقافة هذه الشعوب حواء التي أخرجت آدم من الجنة، وأغرته ليعصي خالقه، فهي المخلوق الناكر للجميل الخبيث المتستر تحت جلد ناعم قوامه الفتنة، تختزن المؤامرات و لا تتوانى عن استثمار نفسها بأبشع الطرق لتحقيقها ..ليس هذا تعميما، و لكنه مع الأسف جزء من واقع حقيقي يفرض محدداته الظالمة في موضوع المرأة، خاصة مع انتشار الأقاويل الذكورية المتداولة على مستوى مثلا :((كل النساء عاهرات، وعذرا من أمي))أو (( لا توجد نساء شريفات وأخريات غير شريفات، وإنما هناك نساء غير شريفات وأخريات قبيحات))إلى آخره من هذا النوع من الخطابات التي وللأمانة ليست عربية المنابع، وإنما تعود لشخصيات عالمية في الغالب لها ما لها من خصوصية، ولكن تلك المقولات وجدت صداها المنتشر بشكل مثير للدراسة في أوساطنا ومجتمعاتنا، وتكاد تصبح جزءا من مجموعة الأقوال الحكيمة التي لا يتم انتقادها، بل على العكس يتداولها الشباب الغارق أمام الإعلام الموجه، الغاضب من غرائزه المستثارة ليلقي باللوم على المرأة في كل مكان انتقاما بهذا النوع من الإساءات المعممة.ليست قضية المرأة قضية ذات أبعاد محددة بالمطلق، لأنها تعاني في مجالات من شطط البعد الاجتماعي، وفي مواطن أخرى ترتهن لاستغلال اقتصادي، ويأتي المد السلفي ليحملها وزر الفساد الأخلاقي المجتمعي بشكل شبه مطلق، ويحصر الانتقام الأخلاقي في مواطن عفتها، وهنا يصبح لزاما علينا ان لا نستخف أبدا بهذا الواقع الذي يكاد يقتل المجتمع بالكامل إما بشكل مباشر مع النساء، أو بشكل غير مباشر من خلال جملة الأمراض الاجتماعية التي يعكسها هذا الضغط المجتمعي الذي وصل حد التشوه على كافة أركان المجتمع..مجلة الثرى- العدد 223 تاريخ 6-3-2010 السنة السادسة