القبس: 6-3-2010روحي الأفغاني*رشح الرئيس الأميركي باراك أوباما الدبلوماسي روبرت فورد ليصبح أول سفير للولايات المتحدة في سوريا منذ القطيعة التي حصلت في عام 2005، عقب حادثة اغتيال رئيس الحكومة اللبنانية السابق رفيق الحريري. وتشكل هذه الخطوة مؤشرا واضحا على ذوبان الجليد في العلاقة الأميركية السورية، وينظر إليها كذلك على أنها مكافأة لسوريا على تعاونها الأخير في لبنان والعراق.يأتي هذا التقارب الدبلوماسي المتزايد بين واشنطن ودمشق كجزء من جهود إدارة البيت الأبيض المستمرة لفك روابط العاصمة السورية مع طهران. ويناقش أنصار «علاقات أوثق» بين أميركا وسوريا بأن باستطاعة الأخيرة أن تلعب دورا مهما في كبح جماح «المتطرفين» في المنطقة، مثل حزب الله وحماس.سوريا تتمسك بالجميعاتبعت سوريا توجهين مختلفين في ما يتعلق بسياستها الإقليمية، بما فيها عملية السلام. فهي من ناحية تشجع الولايات المتحدة على دعم الجهود التركية في التوسط بينها وبين إسرائيل، كما يشهد طلب الرئيس السوري بشار الأسد الأسبوع الماضي من ويليام بيرنز نائب وزيرة الخارجية الأميركية للشؤون السياسية. وهي من ناحية أخرى تحافظ على روابط قوية مع كل من إيران وحزب الله وحماس. فإذا كانت الولايات المتحدة ستحقق السلام الشامل يتوجب عليها أن تفعل أكثر من مجرد مساندة الدور التركي.وكان يمكن لسوريا أن تستفيد بدرجة كبيرة من التوجه- الذي وصف بـ«السياسة اللطيفة»- الذي استخدمه الرئيس أوباما في المنطقة طوال سنته الأولى في الرئاسة، وأن توظف هذه الايجابيات في تحقيق التقرب من الولايات المتحدة. لكن يبدو أن كل ذلك لم يشجع دمشق على حل مواجهتها مع إسرائيل، غير أن ذلك لم يترجم على شكل «تحول» تريده واشنطن.الوسيط التركيإضافة إلى ذلك، فإن الأزمة الدبلوماسية الأخيرة وتدهور العلاقات بين إسرائيل وتركيا يعني أن الأخيرة فقدت مصداقيتها كوسيط حيادي في مفاوضات السلام بين إسرائيل وسوريا. كما أن «علاقات الصداقة القوية» التي تربط بين تركيا و«المتشددين» في المنطقة، بمن فيهم سوريا وإيران وحماس، أن تشكل مؤشرا على أن أنقرة لا تملك ما هو ضروري لدفع عجلة عملية السلام. ففي حين تمكنت سوريا من سحب نفسها من عزلتها الدولية ونجحت في ترميم علاقتها مع تركيا، ازداد التباعد بين تل أبيب وأنقرة.ويعتبر التحول التركي بعيدا عن إسرائيل والغرب وباتجاه سوريا وإيران مثيرا للمشاكل بالنسبة لمصالح الولايات المتحدة الاستراتيجية وعمليات بناء السلام في المنطقة. فخلال السنوات القليلة الماضية شهدت تركيا تحولا أساسيا مع تولي حزب العدالة والتنمية الحكم. يبدو أن الوجه الجديد لتركيا أقل التزاما مع أوروبا والغرب مما كان عليه في الماضي.وتتطلع سوريا الى فرصة لامعة لتعميق علاقتها مع تركيا حتى يتسنى لها التأثير في التحالفات الإقليمية وتعزيز أهميتها في السياسة الإقليمية، وفي الوقت نفسه الحصول على موقف تفاوضي قوي مع واشنطن.إلا أن علاقة تركيا المتنامية مع طهران تستطيع إفشال جهود واشنطن المحتملة في تحريك عملية السلام قدما ووضع علاقة أنقرة مع الغرب في آخر القائمة.الورقة الأضعفبعيدا عن الطبيعة الخلافية للوساطة التركية، تبقى هناك معوقات إضافية أمام العلاقات الإسرائيلية السورية. بالنسبة لدمشق، يتطلب أي تفاوض على السلام من إسرائيل أن تتنازل عن هضبة الجولان، فسوريا غير مستعدة للتوصل إلى أي تسوية بعيدا عن حقها بالجولان. وكان رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتانياهو، قد أوضح ان بلاده لن تنسحب من مرتفعات الجولان المحتلة، ويبدو الجمهور الإسرائيلي متحدا حول هذه القضية.بالمقابل، يتطلب السلام من إسرائيل أن تتوصل إلى اتفاقيات مع جميع جيرانها، بمن فيهم الفلسطينيون، وهي عملية معطلة منذ فترة طويلة. يجب أن تجري المحادثات السورية الإسرائيلية بشكل متواز مع المسار الفلسطيني الإسرائيلي كجزء من اتفاقية سلام إقليمية شاملة. وإذا تمكنت سوريا وإسرائيل من التوصل إلى خطة سلام قبل تسوية إقليمية فسوف يصبح الفلسطينيون الحلقة الأضعف. وفي هذا المضمون لن يعتبر السوريون طرفا مؤثرا في العملية التفاوضية. إضافة إلى ذلك لن يعود للفلسطينيين أي أوراق أمام الإسرائيليين إذا قرروا اللعب وحدهم.تعطي عملية إقليمية الفلسطينيين موقفا تفاوضيا أقوى مع الإسرائيليين، مثل ذلك الذي حصلوا عليه أثناء عملية مدريد عام 1991. وبالنسبة لإسرائيل، يمكن لاتفاقية شاملة مع جميع جيرانها، ربما على النسق الذي تقترحه مبادرة السلام العربية، أن تجني فوائد أعظم. يمكن تقبل إسرائيل في المنطقة من خلال تطبيع علاقاتها مع العالمين العربي والإسلامي بشكل رئيسي.ومن جانب واشنطن، يتطلب السلام الشامل من دمشق التوصل إلى حلول وسط حول علاقتها مع «المتشددين» في المنطقة والالتزام بالمشاركة في العملية السلمية.تسير إدارة الرئيس أوباما على الطريق الصحيح في إخراج سوريا من المدار الإيراني. لكن يبدو أن هناك حلقة مفقودة في جهود واشنطن، يتوجب عليها عدم إهمال النزاع الإسرائيلي الفلسطيني، الذي يشكل حجر الأساس في عدم الاستقرار الإقليمي.* عن «خدمة الأرضية المشتركة الإخبارية»