بريد النداء: 2-1-2010إن ظاهرة العولمة حديثة كمصطلح، لكنها ظاهرة قديمة كواقعٍ ملموس، قدم الحضارة الإنسانية، شهدها التاريخ الإنساني منذ الحركات التوسعية الأولى، ذات الطابع الفكري، كالديانات الكبرى مثل : البوذية واليهودية والمسيحية والإسلام، وذات الطابع السياسي الإمبراطوري، كالإمبراطوريات الكبرى مثل : الصينية والفارسية واليونانية والرومانية والعثمانية، ومن ثم ذات الطابع الاقتصادي، كالثورة البرجوازية في الغرب، التي قامت على التقدم العلمي، من تقدم الفلسفة والأدب والفن، إلى تقدم العلوم الرياضية والفيزيائية والكيميائية، مروراً بالثورة الصناعية الكبرى، وما بعد الصناعية التي قادتها الرأسمالية الوطنية الغربية، وصولاً إلى الإمبريالية أعلى مراحل الرأسمالية، والتي تحوّلت أخيراً إلى رأسمالية متوحشة، رأسمالية الشركات متعددة الجنسيات والعابرة للقارات التي خلطت الحابل بالنابل، فأصبح مقياس وحق القيادة فيها لامتلاك المزيد من قوة التقدم التكنولوجي والمعلوماتي والاقتصادي، ومقياس التبعية فيها لفوات الوعي الاجتماعي والسياسي والاقتصادي، ولعدم امتلاك مقومات العلم الحديث بشكلٍ رئيس، مما عمق التفاوت بين الدول الرأسمالية والمجتمعات المتخلفة من جهة، وبين الدول والمجتمعات نفسها من جهة ثانية، وبذلك تحوّل العالم إلى قرية كبيرة واضحة المعالم، فلكل زمنٍ عولمته الخاصة بإنتاجه العلمي والفكري والسياسي والاقتصادي . فإن ما لها وما عليها، هو إيجابياتها وسلبياتها، وبما إنه لا شيء إيجابي مطلق بشكلٍ نهائيٍ، وبما أن المسألة نسبية دائماً، فإن ما هو إيجابي هنا قد يكون سلبياً في مكانٍ آخر، وما هو إيجابي اليوم قد يكون سلبياً غداً، وبما إن العولمة جزء من الفعل التاريخي الإنساني، فإنها بالتأكيد تحمل الإيجابيات كما تحمل السلبيات، لذلك من الأجدى ألا نتسرّع بالحكم عليها كشرٍ مطلق ولا كخيرٍ مطلق، وألا نكتفي بالنظر إلى نتائجها المباشرة دون الأخذ بعين الاعتبار لأسبابها ومكوّناتها التاريخية، الاجتماعية والسياسية والاقتصادية .. وبما أن العولمة بمفهومها الحديث مرتبطة بالرأسمالية في الغرب التي استندت على نظرة شاملة عن الطبيعة الإنسانية والمجتمع الإنساني، التي تضع الحاجات والرغبات في قمة الهرم لقوى الإنسان من أحاسيس ومشاعر وفكر، بحيث تكون كل هذه القوى في خدمة الحاجة والرغبة الفردية الإنسانية من جهة، ورؤية للاقتصاد السياسي من جهة ثانية، التي تجعلها تنتشر عبر كل التخصصات المحتملة في تنظيم عملية تبادل القيم الإستعمالية بين الأفراد عن طريق الحرية وحق الملكية،ورؤية قائمة على التحوّل والتغيير التاريخيين من جهة ثالثة، فإنها قد ارتكزت أساساً على القواعد الإنتاجية في إطار إنجاز الدولة الوطنية في الغرب، إلى أن تجاوزتها إلى الدولة القومية الديمقراطية المتمركزة حول ذاتها، والتي استطاعت أن تؤسس نظاماً سياسياً ديمقراطياً، حاول إزالة بعض التناقض الكبير بين رأس المال ومصالح الطبقة العاملة، بحيث ضمن الكثير من حقوق العمال ورفع من مستواهم الحقوقي من جهة، لكنه من جهةٍ ثانية ضمن سيادة رأس المال المتمركز في الدولة البرجوازية التي انطلقت بعد ذلك إلى التوسّع نحو الخارج بحثاً عن مصالحها الاقتصادية المتقدمة في العالم، وما انتقال الحركات العمالية الأوربيّة من دكتاتورية البروليتاريا إلى الاشتراكية الديمقراطية بأشكالها وأحزابها المختلفة، كالحزب الشيوعي الفرنسي والإيطالي، إلا من تأثير العولمة الرأسمالية، التي أثبتت أنها قادرة على تطوير ذاتها، وتطوير ما حولها من نظريات اجتماعية وسياسية واقتصادية إن الوجه الإيجابي للعولمة كان في زمن الليبرالية، التي أكدت على حرية الفرد بأوسع أشكالها، وتبلور ذلك من خلال خطابها الفكري والسياسي والأدبي في أوربا، منذ القرن السادس عشر، حين أطلقت حرية المعتقد والرأي وحق التنظيم في أحزابٍ ونقابات واتحادات حقيقية، وحق التظاهر والانتخابات الحرة، وصولاً إلى الدولة الوطنية الديمقراطية ودستورها التعاقدي بين أفراد المجتمع، وناظمها الأساسي لاقتصاد السوق وآلياته الحرة، وفقاً لقانون العرض والطلب والمنافسة الحرة، دون تدخّل الدولة, لذلك فقد أكدت الليبرالية الغربية على المجتمع المدني وهيئاته التي كانت تقوم بعملية التوازن بين الدولة والمجتمع وأحزابه وأفراده، لتكون في علاقة جدلية دائمة مع الدولة والمجتمع، عبر شرعنة الحوار والنقد والرقابة والمحاسبة، مع أنها كانت تتعرض دائماً لمحاولات الاحتواء من قبل الدولة مرة، ومن قبل الشركات العالمية عبر التحولات والتغييرات المستمرة مرّات عديدة، والتي هي مستعدّة لأن تقوم مقام الدولة، وحصر عمل الأخيرة بالإدارة الشكلية للمجتمع، وذلك ما سعت إليه الليبرالية الجديدة . ونلاحظ تاريخياً مع تفاقم الأزمة الاقتصادية تتفاقم الأزمات الاجتماعية والسياسية، وخاصةً عند اتساع البطالة وازدياد الهوة بين طرفي الهرم الاجتماعي، لتوزيع كلٍ من الثروة والدخل، ويتميز هذا الوضع في الاقتصاديات الرأسمالية المتقدمة، بالضيق النسبي للسوق، فتكون المراهنة في هذه الحالة على السوق العالمية، التي كانت من الأسباب الضرورية في خلق المنظمة العالمية للتجارة ( الجات) التي تم الاتفاق عليها عام 1947، ونفّذت عام 1948، وكان هدفها العريض تحرير التجارة الدولية عن طريق إزالة القيود الجمركية وغير الجمركية، وقامت على مبدأين اثنين، الأول : هو مبدأ المعاملة الوطنية للواردات الأجنبية، وذلك بإلغاء كل تمييز ضد تلك الواردات الأجنبية . والثاني : مبدأ شرطي للدولة المركز بالرعاية الشاملة لهذه المنظمة، ومقتضاه أن تستفيد كل دولة عضو من الاتفاقية، في أية مزايا خاصة من تحرير التجارة الدولية، تمنحها دولة عضو لدولة أخرى، بمقتضى اتفاق ثنائي بينهما، مما أدّى إلى صراعات بين الشمال والشمال من جهة، وبين الشمال والجنوب من جهة أخرى، الأول على أساس تزايد معدل تغيير الأوضاع التبادلية المكتسبة، خاصةًً في دول الشمال، من خلال التسارع في إدخال التحسينات التكنولوجية، التي ترفع من أوضاع المزايا المكتسبة نسبياً، والثانية لغياب الإمكانيات التكنولوجية في دول الجنوب، مما يحتم على الاقتصاد الليبرالي محاولة إبعاد الدولة في الاقتصاديات الضعيفة، الأمر الذي يفوّت على الدول المستضعفة إمكانية التدخل لخلق مزايا نسبية جديرة في صالحها، مما أدى إلى التأثير المباشر من قبل الاقتصاد الليبرالي على سلوك الدولة الاقتصادي في داخل إقليمها، ولكن ذلك يختلف نسبياً بين الأجزاء المتقدمة والمتخلفة من العالم الرأسمالي ، وهذا هو الوجه السلبي لها . أما وقد ظهرت الليبرالية الجديدة بنظامها الجديد الذي تعددت أبعاده، ما بين الثورة المعلوماتية وتنوع وسائلها التي تتيح الفرصة للتعرف على آراء الآخرين وأفكارهم والحوار معهم وتبادل المعلومات في مختلف المجالات اليومية، الفردية والاجتماعية من جهة، وبحيث أصبح ثقل الإنتاج المعرفي والثقافة التكنولوجية في أيامنا هذه في يد 12% من سكان العالم، والتي تسيطر على أكثر من 90% من حجم التجارة العالمية من جهة ثانية، وما تدّعيه من طموحاتٍ عالمية من جهة ثالثة، تطالب بنشر الديمقراطية والحرية، وتدعيم منظمات المجتمع المدني، لكن سرعان ما برز دور الشركات العابرة للقارات، في مواجهة المؤسسات الرأسمالية القديمة، مثل الدولة والنقابات ومؤسسات المجتمع المدني، فبدأت بالضغط لإلغاء القوانين الوطنية التي كانت من القواعد الموضوعية لقانون اتفاقية الجات العالمية، لتحل محلها قوانين السوق العالمية بما فيها قانون الاستثمار الأجنبي، وبحجة التطور الرأسمالي السريع، فإن الليبرالية الجديدة لم تعد تحتاج إلى الدولة إلا بالقدر اللازم لمواجهة عالم العمل سياسياً في الأجزاء المتقدمة من العالم فقط، وبالمقابل استبعاد الدولة الوطنية الديمقراطية في الأقاليم المتخلفة، على أن تتحول الدولة إلى سلطةٍ حارسةٍ، أكثر قوةً وقهراً من الناحية السياسية، لأن حرية رأس المال في الليبرالية الجديدة يتناسب عكساً مع حرية قوة العمل، وإنه بسعيه أن يكون عالمياً ينفي حرية الطرف الآخر . إن الليبرالية الأوربية كانت قائمة على التطور الرأسمالي في التعددية الاقتصادية والسياسية، بينما الليبرالية الجديدة فإنها تقوم على الاحتكارات الرأسمالية في الهيمنة أحادية الجانب على الاقتصاد العالمي، وإحلال عملية التنظيم القانوني الدولي، قانون السوق العالمي، محل عملية التنظيم القانوني الوطني، وقد ساعد في ذلك الانهيار المفاجئ للمشروع الاشتراكي العالمي، وفشل النظم الثورية الشعبوية في العالم الثالث، وبدأت تعمل ما بوسعها لتجذير مفهوم الربحية المطلقة على حساب كل المؤسسات الأخرى، على العكس مما كانت عليه من الدور السابق للرأسمالية الوطنية في بناء المؤسسات التعليمية والصحية والاجتماعية . إن هذا الخطاب الجديد لليبرالية، هو خطاب الرأسمالية المعولمة الذي يدعو إلى إلغاء الطبقة والمجتمع والدولة الوطنية فأصبح خطاباً عالمياً غير وطني،والذي سيغرق بهذا الإلغاء هذا النظام العالمي الجديد بل أغرقه أخيراً، نتيجة الربحية الفردية المفرطة والمتراكمة، في ركودٍ وتدوير رؤوس الأموال، إلى أن يقع في أزماتٍ اقتصاديةٍ حقيقيةٍ، وقد وقع. وتؤدي، بل أدت إلى أزماتٍ اجتماعيةٍ وسياسيةٍ لا تحلها إلا الحروب من خلال الأذرع العسكرية القوية، وما حصل في يوغسلافيا والخليج وأفغانستان كان خير دليلٍ على ذلك . في مواجهة هذه التطورات، عكفت قوى العولمة الجديدة على توظيف المجتمع المدني، ليكون بديلاً عن الدولة الوطنية، بعد انسحابها من أدوارها المعروفة ومسؤولياتها في دعم الفئات الفقيرة وإعادة توزيع الدخل القومي بشكلٍ عادلٍ لصالح الطبقات الفقيرة من جهة، كما عكفت بالوقت نفسه على بناء مجتمعٍ مدنيٍ عالميٍ خارج الفضاء الخاص بالدولة الوطنية من جهة ثانية، وهذا المجتمع المدني العالمي يقوم على أساس بناء شبكات عالمية، مما يضعف من قدرة المنظمات الأهلية ومؤسسات المجتمع المدني على العمل المستقل داخل مجتمعاتها، وبهدف إدماج هذه الدول في إطار النظام العالمي الجديد، ومن ثم تكريس التبعية والتخلف، من خلال ممارسة سياسة مزدوجة في المبادرات المدنية، تقبلها بالجملة وترفضها بالمفرق، لدرجة أنها تتخذ موقفاً متحفظاً من المنظمات الدفاعية عن حقوق الإنسان، وذلك يسيء إلى الدور البنيوي الحقيقي لهذه المنظمات المستقلة التي تقاوم بطبيعتها النضالية الوطنية هيمنة آليات العولمة القائمة على عدم تكافؤ القوى دولياً، والتي تعتبر أن العلاقة بين الدولة والمجتمع والقطاعات الاقتصادية، علاقة جدلية تقوم على التأثير المتبادل والمتطور تبعاً لتغيير الظروف الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية . إن رأسمالية الدولة في القرن العشرين لم تعد كسابقتها في القرن التاسع عشر، ولم يعد اقتصاد السوق الحر يشكل البناء التحتي للعلاقات الاجتماعية والتنظيم السياسي من جهة، لأن السوق الحر بطبيعته مرتبط بمجتمعه، والمنتجون فيه هم أعضاء هذا المجتمع نفسه، وهم الذين يحدثون تغييرات جذرية في العلاقات والسياسية فيه، كما وليست هناك قوة وحيدة تسيطر على الإنتاج والتوزيع في السوق الحر الذي لا يتحقق الربح فيه إلا بإنتاج سلع حقيقية تشبع حاجات حقيقية، ومن جهة ثانية لم يعد النظام يسيطر على آليات السوق وعدالة التبادل المتوازنة فيه ، لانتقال السوق الحر إلى سوق عالمية قائمة على الاحتكارات، غيّر ذلك من طبيعة المجتمعات التي يعمل بها، لإخضاعها لمتطلبات المزيد من الربح النقدي، ومركزية في مؤسسات وحيدة ومسيطرة على العالم ( كصندوق النقد الدولي، والبنك الدولي ). إن فشل جهود التنمية الوطنية المستقلة في العالم الثالث، بغياب الدولة الوطنية الديمقراطية، قد أدى إلى تحويل دور الدولة من مجالات الإنتاج إلى مجالات الخدمات، وإلى اتساع البطالة والفقر، وبغياب القانون في حضرة حالة الطوارئ والأحكام العرفية، أدى إلى التوجه نحو المجتمع الأهلي وبالتالي المجتمع المدني، ومفاهيمه الحديثة التي تؤكد على عدم انسلاخها عن سياقها الاجتماعي والسياسي، وبغياب الفعل الذاتي وسطوة تأثير العولمة الجديدة على المجتمعات المتخلفة، وبرضاء الليبرالية الجديدة، برزت إدانة منظمات المجتمع المدني، باعتباره وافداً غربياً، واتخاذ مواقف سلبية من كل المنظمات التي لها علاقة بحقوق الإنسان والبيئة والمرأة .... الخ . لذلك تتطلب صياغة الموقف من مسألة المجتمع المدني في الوطن العربي على الأقل، التعرّف أولاً على حقيقة المجتمع المدني، ودوره الإيجابي في المجتمع والدولة من جهة، وعلى محاولات اختراقه من قبل العولمة الجديدة، ومحاولات توظيفه لصالحها من جهة ثانية، فللحقيقة التاريخية يمكن القول : إن جوهر دور المجتمع المدني، هو تنظيم وتفعيل مشاركة الناس في تقرير شؤونهم والدفاع عن حقوقهم، وما يقوم به من دورٍ رئيسي في نشر ثقافة المبادرة الذاتية، وأدب الحياة والتأكيد على إرادة المواطنين في الفعل التاريخي، وجذبهم إلى ساحة الفعل الوطني، والمساهمة الفردية والاجتماعية الفعالة في تحقيق التحولات الكبرى في مستقبل الوطن . فلم يعد خافياً على أحد حقيقة العولمة الجديدة، وأهدافها الباطنية في دعم هيمنة الرأسمالية الغربية بشكلٍ عام والأمريكية بشكلٍ خاص، ووسيلتها فرض الوصفة الأمريكية الجاهزة على العالم غير الرأسمالي وخاصةً العالم العربي،هذه الوصفة التي تؤكد على ريادة الولايات المتحدة أنها سيّدة العالم في كل المجالات، وكتاب فوكوياما عن نهاية التاريخ خير دليل على ذلك، ومن هذا المنطلق نلاحظ أن المرحلة الإمبريالية السابقة التي كانت تتسم بضرورة وجود الدولة الوطنية ، قد انتقلت إلى إمبريالية جديدة ألغت فيها سيادة القانون وحلّت مكانه سيادة القوة وعولمة القوانين الربحية الخالصة، أقصت فيها الدولة لتحل محلها العولمة الاقتصادية من خلال التجارة العالمية المفتوحة، التي لا يقف في وجهها أي مكوّن وطني أو قومي . نخلص إلى نتيجة موضوعية، إن ليس كل ما أنتجته العولمة سيّئا ولا خيّراً بالمطلق، فالخير والشر هو ما يتناسب مع ويستجيب للخصوصية التاريخية المنجزة لأي مجتمعٍ بشكلٍ عام، ولأي مجتمعٍ عربيٍ بشكلٍ خاص، لكن وللأسف إن خصوصيتنا في العالم العربي لم تتجاوز بعد التعددية الطائفية والعائلية والإثنية، التي تمثل بدورها هدفاً كبيراً للنظام العالمي الجديد الذي يؤكد على ضرورة المحافظة على تلك التعددية ما قبل الوطنية المعيقة للتقدم الاجتماعي والسياسي والاقتصادي، ونرى ذلك واضحاً من خلال إثارة الاهتمام بالأصول العائلية والطائفية والدينية، ليصبح السؤال الأهم في مجتمعاتنا هو: من نحن ؟ وما هي أصولنا القريبة والبعيدة ؟ لتصبح قوى المجتمع المدني في بلادنا أمام خيارين كلاهما مرُ، إما أن تقف هذه القوى ضد السلطات الاستبدادية التي تدين بدورها هذا الفعل الوافد، والذي تعتبره تآمراً مع الخارج، وإما أن تقف مع الداخل المستبد بحجة الوقوف ضد هذا الخارج الامبريالي الجديد، الذي بدوره يلغي خصوصية هذه القوى واستقلالها الوطني ليضعها في الفضاء العالمي، وبالحالتين متهمين من الداخل ومن الخارج ، لذلك نقول : إذا أردنا أن يكون لنا خيارنا المستقل ،فهو خيارنا الوطني القائم على مناهضة كل أشكال الاستبداد الداخلي والخارجي، من خلال الحوار الوطني الديمقراطي العقلاني المؤسس على الاعتراف غير المشروط بالتعددية الاجتماعية والسياسية بكل أشكالها، وبطرقٍ سلميةٍ مدنيةٍ عصريةٍ ، وهنا يبرز دور المثقف النوعي ( السياسي والمفكر والفنان والأديب ) يوظف فكره وفنّه وأدبه في عملية التقدم والتغيير الاجتماعي والسياسي والاقتصادي، الذي يستفيد من التجارب الإنسانية، ويتعامل مع الداخل والخارج على أساس الخصوصية والمصلحة الوطنية، والذي يعرف تماماً، إنه طالما هو ضعيف ومستلب وغير ممتلك عقله وإرادته، ولم يمتلك سلاح العولمة الإيجابي ألا وهو سلاح العلم والحرية، سيبقى عاجزاً عن مناهضة هذا الاستبداد في الداخل والخارج، وسيبقى طعاماً سهلاً لهما معاً .السويداء محمد بركة